ما علاقة “تسونامي التغيير” بأموال المغتربين؟

مغتربون | | Saturday, May 21, 2022 11:40:00 AM

ثمّة مقولة شائعة باللغة الفرنسية غير معروف مَن قائلها، تقول: “Qui donne ordonne”، وتعني أنّ “من يعطي يُملي”. من هذا المنطلق يمكن تفسير ما حصل في الانتخابات، وما سبب “الموجة” الانتخابية العارمة التي جرفت وجوهاً ورموزاً سياسية كانت متأصّلة على مدى سنوات في المنظومة السياسية اللبنانية، وقزّمت شخصيات كانت تراهن على حصد الحواصل وتشكيل الكتل، لكن على الرغم من كلّ المال الذي دفعته لم تخرج إلاّ بمقاعد محدودة، فاستطاع البعض منها أن يعبر بمقعد يتيم… و”زميط”.

تكشف الأرقام أنّ التحويلات الدولارية المقبلة من الخارج، ازدادت بنسبة 65% بين الربع الأول من عام 2021 بالمقارنة مع الربع الأول من عام 2020، أي منذ بدايات الأزمة الاقتصادية، وذلك بمعدّل 520 دولاراً شهرياً، وهي مستمرّة على هذا النحو مذّاك الوقت، وهذا يعني أنّ التحويلات باتت بمنزلة رواتب ثابتة للمستفيدين.


كانت “موجة” الاقتراع الاغترابي بمنزلة “تسونامي” تشكّلت في الخارج، ثمّ زحفت على مدى أسبوع إلى الداخل، ولم يشعر بها أحد تقترب من الشواطىء اللبنانية

هذه التحويلات قيمتها الشهرية نحو 150 مليون دولار، وتقبل إلى الداخل اللبناني من نحو 175 دولة. أمّا أكبر حجم وعدد تحويلات فتُقبل بالترتيب من: أستراليا أوّلاً (كثافة مسيحية وسنّيّة شمالية)، ثمّ الولايات المتحدة الأميركية (كثافة متنوّعة)، ثمّ دول الخليج العربي (كثافة سُنّيّة ومسيحية)، ثمّ كندا (كثافة سنّيّة ومسيحية)، وهي المناطق التي شهدت تغييراً ملحوظاً في مزاج ناخبيها.

يُقدّر عدد المستفيدين من هذه التحويلات في لبنان بنحو 270 ألف مستفيد، وهي ليست صدفة أن يكون هذا الرقم يدور في فلك حجم المقترعين للوائح التغيير (330 ألفاً). أمّا عدد المقترعين في الخارج فبلغ نحو 147 ألفاً، اقترع منهم نحو 60% للوائح التغيير أيضاً، أي نحو 88 ألفاً.

تقول الفرضيّة إنّ المغتربين في هذه الانتخابات كانوا أشبه بـ”مفاتيح انتخابية” تموّل الناخبين من حيث لا تعلم ولا تقصد. مفاتيح مستدامة، تتتبّع شؤون حلقتها الضيّقة وشؤون ذويها الحياتية بشكل يومي، وتحمل همومهم في أزمة الكهرباء وغلاء أسعار السلع الغذائية وانقطاع الدواء، وتساعدهم على تأمينه من الخارج. تمدّهم بالمال بشكل ثابت وشهريّ، وتتحدّث معهم عبر منصّات التواصل الاجتماعي يومياً، فتستطلع آراءهم بهدوء وصمت، وتؤثّر فيها من خلال النقاشات العائلية التي تدور في كلّ منزل لبناني بشكل فردي أو عبر مجموعات “واتساب” العائلية.

وعليه، فإذا فرضنا أنّ كلّ مغترب كان قادراً على التأثير بشكل غير مباشر في رأي ناخبَين من ذويه أو من ضمن حلقته الضيّقة، فإنّ كلّ ناخب من بين مقترعي الخارج الـ88 ألفاً استطاع أن يحصد صوتين، أي أنّ المقترعين الـ88 ألفاً استطاعوا مجتمعين حصد ما يقارب 176 ألف صوت لمصلحة لوائح التغيير بطريقة عفوية غير مباشرة، فيما العدد المتبقّي من الأصوات الـ330 ألفاً التغييرية (154 ألف صوت) تكفّل بصبّها في الصناديق مقترعو الداخل الذين اختاروا التغيير بشكل إرادي. وكان يمكن لهذه “المفاتيح العفوية” أن تضاعف تأثيرها بشكل أوسع لو نسّقت جهودها ونظّمته بما يتماشى مع هذا القانون الأعوج.

 

مال الخارج أقوى من مال الداخل

قبل الانتخابات بأسابيع كان التوجّه العامّ يوحي بأنّ الأصوات التغييرية، التي ستصبّ لمرشّحي المجتمع المدني وقوى التغيير، ستكون محدودة أو عادية في أبعد تقدير، وكان الجوّ يوحي بأنّ “حزب الله” وحلفاءه سيحصدون أغلبيّة قد تقترب من نحو 70 نائباً.

تقول الفرضيّة إنّ المغتربين في هذه الانتخابات كانوا أشبه بـ”مفاتيح انتخابية” تموّل الناخبين من حيث لا تعلم ولا تقصد

لكنّ هذا كلّه لم يحصل، وإنّما حدث العكس: النفوذ السياسي الذي جُيّر لحضّ الناس على الاقتراع لأحزاب السلطة، والمال الذي دُفع لشراء الأصوات وتسجيل المندوبين والآليّات وفتح المكاتب الانتخابية، لم يأتيا بالنتيجة المرجوّة، خصوصاً في المناطق السنّيّة والمسيحية. أمثلة شاخصة حول هذه الفرضية تتمثّل بأكثر من مرشّح في دوائر بيروت وطرابلس وجبل لبنان وغيرها.

في بيروت مثلاً، كُتبت تقارير كثيرة في اليومين الماضيين عن حجم الإنفاق الانتخابي الذي صرفه النائب فؤاد مخزومي، والذي حدّدته صحيفة “الأخبار” بنحو 16 مليون دولار، بينما موقع “ليبانون ديبايت” قال إنّه في حدود 7 ملايين. بدل أن يضاعف مخزومي عدد المقاعد في لائحته ويرفع رصيده من الأصوات التفضيلية، لم يستطع حصد أكثر من حاصل واحد، وانخفض رصيده التفضيلي 1,325 صوتاً عن الانتخابات السابقة (كان 11,346 وأمسى 10,021 صوتاً).

ينطبق هذا أيضاً على النائب نبيل بدر الذي كثُر الحديث في الأحياء البيروتية عن حجم الأموال التي دفعها على الإعلانات والإطلالات التلفزيونية وبدلات العمل للمندوبين، وكلّها حقّقت 3,760 صوتاً فقط، وأفضت إلى فوزه بشقّ الأنفس، ويُضاف إلى هذين المثالين العديد من الأمثلة في دوائر أخرى مثل طرابلس التي استطاعت أن تأتي بنحو 10 وجوه جديدة على الرغم من نسبة التصويت المتواضعة.

كذلك الأمر في دائرة جبل لبنان التي استطاعت عملية الاقتراع فيها للتغييريّين أن تقارع بيوتاً سياسية عريقة، وكادت أن تطيح بوجوه حزبية لم تغِب عن البرلمان لعقود. فقد استطاع الزميل جاد غصن أن يحصل على 9 آلاف صوت تفضيلي من دون قدرته على صرف النفوذ السياسي والمال، ملامساً عدد أصوات النائب سامي الجميل (10,488 صوتاً) ومتخطّياً عدد أصوات ميشال المرّ الحفيد (8,607 أصوات) والنائب الكتائبي الثاني الياس حنكش (6,148 صوتاً) والنائب إبراهيم كنعان (5,513 صوتاً) والنائب الأرمني هاكوب باقرادونيان (4,973 صوتاً) ونائب القوات اللبنانية رازي الحاج (3,459 صوتاً).


تسونامي المغتربين

كانت “موجة” الاقتراع الاغترابي بمنزلة “تسونامي” تشكّلت في الخارج، ثمّ زحفت على مدى أسبوع إلى الداخل، ولم يشعر بها أحد تقترب من الشواطىء اللبنانية، لكنّنا رصدنا مفاعيلها وارتداداتها لحظة فتح صناديق الاقتراع مساء 15 أيار الفائت.

إذا صحّ القول، فإنّ فرضيّة “المفاتيح” كانت تقوم بواجبها وبما يملي عليها ضميرها وإنسانيّتها تجاه المقرّبين منها، وكانت في الوقت عينه تموّل حملة انتخابية للتغييريين بالدولار الفريش من دون أن تقصد. وهو “دولار انتخابي” شريف ونظيف له مبرّراته الإنسانية الواضحة، التي لا توضع في خانة خرق “التمويل والإنفاق الانتخابي”، لأنّ عناوينه وموجباته فرضتها الأزمة الاقتصادية التي تسبّبت بها الطبقة الحاكمة.

 

لعلّ هذا من بين الأسباب التي أثّرت على نتيجة الانتخابات بشكل كبير، لكن بشكل صامت ومن خارج قواعد اللعبة، فاستطاع مقترعو التغيير في الخارج أن يفاجئوا الجميع بحجم تأثيرهم على مقترعي الداخل، وبالتالي استطاعوا أن يضعوا خارطة جديدة لمستقبل العملية السياسية واستحقاقاتها، ويحملونها على أكتافهم مثلما حملوا الاقتصاد اللبناني كلّه لسنتين ونصف من عمر الأزمة.

عماد الشدياق - العنكبوت الإلكتروني